فهرس الكتاب
الفصل الرابع عشر
الإيمان عند الخوارج [1] والمعتزلة [2]
علمنا أن الأصل الذي تفرعت عنه البدع في قضية الإيمان هو الظن أن الإيمان معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، إما أن يقوم كله أو يذهب كله، فإذا ذهب بعضه ذهب كله فلم يبق منه شيء، وهذا الأصل هو الذي جعل المرجئة من جهة يخرجون العمل عن مسمى الإيمان، سواء العمل بالجوارح الظاهرة عندهم كلهم، أو عمل القلب عند غلاتهم كالجهمية وأمثالهم، وجعل الخوارج والمعتزلة من جهة أخرى يقولون بسقوط الإيمان جملة إذا ذهب أحد أجزائه، سواء كان هذا في اعتقاد الجنان أو قول اللسان أو العمل بالأركان، على تفصيل في ذلك سنذكره في هذا الفصل، ونذكر معه أهم شبهاتهم وجواب أهل السنة عنها.
يقول ابن تيمية:"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء."
ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث. قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار.
(1) "الخوارج"جمع خارج وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق وأعلن عصيانه وألّب عليه. وسموا خوارج لأنهم خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه، وهم ينسبون الاسم إلى الخروج في سبيل الله، ويسمون أنفسهم"الشراة"أي الذين يشرون أنفسهم من الله أي يبيعون أنفسهم لله. ويطلق عليهم"الحرورية"نسبة إلى منزلة حروراء بظاهر الكوفة. و"النواصب"أي الذين يغالون في بغض علي بن أبي طالب ويناصبونه العداء. و"المحكمة"أو"الحكمية"أي الذين يقولون: لا حكم إلا الله عندما وافق عليّ على مبدأ التحكيم: و"المارقة"من الدين والطاعة. فجر الإسلام، ص257. البغدادي، ص72.
(2) "المعتزلة"سموا كذلك لاعتزالهم حلقة الحسن البصري بالمسجد، أو لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة، أو لاعتزالهم الأقوال السابقة المحدثة في مرتكب الكبيرة، وهي أقوال الخوارج والمرجئة، أو لقولهم: إن مرتكب الكبيرة اعتزل عن المؤمنين والكافرين. وسموا"القدرية"لقولهم: إن الناس قادرون على خلق أفعالهم، وليس لله صنع ولا تقدير في خلق أفعال العباد. الفرق بين الفرق للبغدادي، 115. وفجر الإسلام لأحمد أمين، ص288 وبعدها.