الصفحة 189 من 237

الفصل الثالث عشر

الإيمان عند المرجئة [1]

ذهبت المرجئة -شأنهم في ذلك شأن الخوارج والمعتزلة- إلى أن الإيمان معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، إما أن يقوم كله أو يذهب كله، فإذا ذهب بعضه ذهب كله فلم يبق منه شيء وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في قضية الإيمان.

يقول ابن تيمية:"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار."

وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر. ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه"اهـ [2] ."

ويقول:"وأحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئًا واحدًا، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه، بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا. ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء واحد في القلب. وقالت الكرامية: إنه شيء واحد على اللسان. كل ذلك فرارًا من تبعض الإيمان وتعدده"اهـ [3] .

(1) كلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وأخّر، والإرجاء هو التأخير، يقال: أرجيته وأرجأته إذا أخرته. وعليه فقد سموا المرجئة بهذا الاسم:

1 -إما لأنهم أخروا العمل عن مسمى الإيمان.

2 -وإما لأنهم أخروا الحكم على العصاة وأرجأوا أمرهم إلى يوم القيامة.

3 -والبعض يشتق اسمهم من أرجأ بمعنى بعث الرجاء أي أنهم يؤملون العصاة ويبعثون الرجاء في نفوسهم وهذا بعيد راجع: الفرق بين الفرق للبغدادي، ص202. وفجر الإسلام لأحمد أمين، ص279.

(2) الإيمان، ص209، 210.

(3) الإيمان، ص384 وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت