فهرس الكتاب
ويقول:"ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة، لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم"اهـ [1] .
والذي أوقع المرجئة -من جهة- والخوارج والمعتزلة -من جهة أخرى- في هذا الأصل الفاسد، هو اعتقادهم أنه لا يجتمع في الشخص الواحد إيمان ونفاق، أو ما هو إيمان وما هو كفر، أو طاعة يستحق عليها الثواب ومعصية يستحق عليها العقاب، أو دخول النار ودخول الجنة، ولهذا أنكروا الشفاعة في أحد من أهل النار بعد دخولها.
يقول ابن تيمية:"ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين"اهـ [2] .
ويقول:"وطوائف أهل الأهواء من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كراميهم وغير كراميهم يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك .."
بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوا له من وجه، مسخوطًا ملعونًا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، والشفاعة في أحد من أهل النار.
وحكى عن غالبة المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك.
وأما أهل السنة والجماعة، والصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار، ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة"اهـ [3] ."
(1) الإيمان، ص286.
(2) الإيمان، ص386، 387.
(3) الإيمان، ص337 - 339.