الصفحة 191 من 237

والذي دفع المرجئة إلى الوقوع في هذه الأصول الفاسدة -شأنهم في ذلك شأن عامة أهل البدع- هو خروجهم عن منهج السلف الصالح وعدم اعتمادهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وإنما الجري وراء معقولاتهم وتأويلاتهم اللغوية والأدبية والفلسفية الضالة، التي لا تتفق مع عقل صريح ولا نقل صحيح.

يقول ابن تيمية:"وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس."

ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضًا، إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة، وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا يلتفتون إليها، هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم، بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع، وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل"اهـ [1] ."

وهكذا خرج المرجئة عن المنهج المستقيم إلى فهم دين الله، فأدت بهم معقولاتهم الفاسدة إلى أن العبد لا يجتمع فيه إيمان ونفاق، لأن الإيمان إما أن يقوم كله وإما أن يسقط كله، لأنه شيء واحد لا يتبعض ولا يتجزأ عندهم، فلا يجتمع في الشخص نفسه ما هو إيمان وما هو كفر، وإلا سقط الإيمان جملة ولم ينتفع به صاحبه.

* أصناف المرجئة:

ولكن ما هو هذا الشيء الواحد -الذي هو ماهية الإيمان عند المرجئة -والذي إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا عند العبد؟ اختلفت المرجئة هنا إلى عدة أصناف.

(1) الإيمان، ص113 وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت