الفصل الأول
الإيمان بين اللغة والشرع
هناك ما يقال لمعرفة معاني الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
* الطريق الأول: هو تتبع تفسير هذه الألفاظ وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، عن طريق تقصي بيان الرسول والصحابة والتابعين لهذه الألفاظ ما وجد إلى ذلك سبيلا.
* والطريق الآخر: هو النظر المباشر إلى هذه الألفاظ من خلال مقدمات مظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، دون الاجتهاد في تتبع بيان الله ورسوله.
واختيار هذا الطريق أو ذاك هو الذي يميز بين أهل السنة والجماعة -الذين تتبعوا الطريق الأول على هدى ممن سبقهم من السلف الصالح رضوان الله عليهم- وبين غيرهم ممن عدلوا عن صراط الله المستقيم، فتفرقت بهم السبل بعيدًا عن الحق.
يقول الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-:"وإن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على ما معنى ما أراد الله منه، أو أثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أخاص هو أم عام؟ فأما من تأوّله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع"هـ [1] .
ويعبر الإمام ابن تيمية عن نفس المنهج فيقول:"وما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحتج في ذلك إلا الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم .. فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، قد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه .. واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلا الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب،"
(1) كتاب الإيمان، لابن تيمية، ص373، 374، طبعة المكتب الإسلامي.