الصفحة 11 من 237

ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ .. وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل؛ لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله، فإنها تكون ضلالًا"اهـ [1] ."

والدافع الذي يجعل الباحث يتتبع هذا الطريق، ويتشبث به وحده، ليصل من خلاله إلى تفسيرات واضحة ومحددة لمعاني الألفاظ الواردة في القرآن والسنة، هو الإيمان العميق بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أدى أمانة البلاغ كاملة غير منقوصة، وأن هذه الأمانة لم تتم إلا بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته معاني القرآن، تمامًا كتبليغه إياهم ألفاظه سواء بسواء، وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قد حملوا نفس هذه الأمانة لمن بعدهم من التابعين، الذين حملوها بدورهم لمن بعدهم وهكذا، بحيث يمكن للباحث المتجرد أن يتتبع بسهولة تواتر هذه المعاني وتميزها عن القرون الأولى المباركة، بنفس الدرجة التي تواترت بها عندهم ألفاظ هذه المعاني.

يقول الإمام ابن القيم:"ومن هذه الأخبار الأحاديث الصحيحة المروية في أسباب نزول القرآن وبيان المراد منه، فإنها تشهد باتفاق القرآن والحديث، فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن وتكشف معانيها كشفًا مفصلًا، وتقرب المراد وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه وتبيّنه وتوضحه، لتقوم حجة الله به ويعلم أن الرسول بيّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلّغ ألفاظه ومعانيه بلاغًا مبينًا، حصل به العلم اليقيني، بلاغًا أقام الحجة وقطع المعذرة وأوجب العلم وبينه أحسن البيان وأوضحه. ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب ثم يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها."

وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى. وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذه الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال؟ .. فإذ لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه وحصول العلم اليقيني بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته وتأويلات العلاف والنظام والجبائي والمريسي وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيد عن السنة والقرآن، مغمور عند أهل العلم والإيمان؟

(1) الإيمان، ص271،273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت