فهرس الكتاب
فحمل كلام الله -سبحانه- على ما يؤخذ من النظائر في كلامه، وكلام رسوله، وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلغته، والتابعين الذين أخذوا عنهم، أول من حمل معانيه على ما يؤخذ من كلام بعض الشعراء .. إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلّغهم معانيه كما بلّغهم ألفاظه، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك قال تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النور: 54) وهذا يتضمن بلاغ المعنى وأنه في أعلى درجات البيان، فمن قال إنه لم يبلغ الأمة معاني كلامه وكلام ربه بلاغًا مبينًا، بل بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره هؤلاء، لم يكن قد شهد له بالبلاغ.
قال أبو عبد الرحمن السلمي -أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ومعانيه من مثل عبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان وتلك الطبقة: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عثمان بن عفان وعبد الله ابن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل، فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعاني أولًا، ثم يأخذون الألفاظ؛ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم، قال حبيب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا.
فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه، لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل ألفاظه سواء بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي يعتنون به حفظًا وفهمًا وعملًا وتفقهًا، وكانوا أحرص الناس على ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم وهو يعلم تأويله ويبلّغهم إياه كما يبلّغهم لفظه، فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غيره في ذلك، ومن الممتنع أن لا تتحرك نفوسهم لمعرفته، ومن الممتنع أن لا يعلمهم إياه. وهم أحرص الناس على كل سبب ينال به العلم والهدى، وهو أحرص الناس على تعليمهم وهدايتهم.
إن الصحابة قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال والمشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ودعوته، ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم كمن كان غائبًا لم ير ولم يسمع، أو سمع وعلم بواسطة أو وسائط كثيرة.
وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم، كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينًا قطعًا، ولهذا قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم