فهرس الكتاب
وأصحابه، كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله:"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" [1] ، فثبت بهذه الوجوه القاطعة عند أهل البصائر -وإن كانت دون الظنية عند عُمي القلوب- أن الرجوع إليهم في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح المبين لمراد الله، هو الطريق المستقيم"اهـ [2] ."
والشاهد من هذا هو بيان أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يفهمون معاني الألفاظ، الواردة في الشرع، كالإيمان والكفر والتوحيد والشرك وغيرها، ليس بالنظر المباشر إلى ظواهر النصوص، أو الرجوع إلى دلالات الألفاظ عند العرب، وإنما كانوا يفهمون معاني هذه الألفاظ -وهم أصلًا أهل هذه اللغة وأصحابها- بالتلقي المباشر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم النظر بعد ذلك -وليس قبله- إلى النصوص ليفهمومها على ضوء ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالصحابة -رضوان الله عليهم- عايشوا أسباب وملابسات نزول النصوص القرآنية، وتلقوا شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاني هذه النصوص، وكانوا يسألونه عما كان يشكل عليهم من معاني بعض الألفاظ والنصوص، بل أنهم كانوا يعرفون حقائق كثير من هذه المعاني حتى قبل نزول النصوص، ثم تلقوا الألفاظ -كما يقول ابن القيم- ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم، وإلا فانظر لقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن! [3] .
فالمنهج الصحيح -إذن- لفهم الألفاظ الشرعية هو أن نتلقى تفسيرهم وفهم السلف لمعاني هذه الألفاظ أولًا، ثم نضبط بهذا الفهم ألفاظ النصوص، وليس العكس، أي ليس استخراج المعاني من النظر المباشر إلى الدلالات اللغوية لألفاظ النصوص، كما ذهب إلى ذلك من ذهب من أهل الأهواء والبدع.
وهذا المنهج -منهج السلف الصالح رضي الله عنهم -هو المنهج الذي سنتبعه -إن شاء الله- في فصول البحث؛ لكي نتعرف من خلاله على معنى الإيمان، وهو نفس المنهج الذي سنتعرف به على مفهوم الكفر والنفاق والفسق والظلم ونحوها.
ولكن قومًا خرجوا على هذا المنهج، وعدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله، وأخذوا يتكلمون في المسميات الشرعية بطرق مبتدعة ومقدمات لغوية وعقلية مظنونة، فقالوا: إن
(1) صحيح، شرح الطحاوية (ص512) .
(2) مختصر الصواعق المرسلة، جـ2 ص335 وبعدها.
(3) راجع روايات الحديث وتخريجها في كتاب"الإيمان"للحافظ ابن منده، جـ2 ص361 وبعدها.