الصفحة 104 من 237

فالمنافقون هم في الظاهر مسلمون، وقد كان المنافقون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة لا سيما في آخر الأمر ما لم يلتزمه كثير المنافقين الذين من بعدهم، لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحة والسيف، قال حذيفة -رضي الله عنه-: النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسرّونه، واليوم يظهرونه [1] .

والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلمًا في الظاهر، وإلى كافر باطنًا وظاهرًا.

ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ"الزنديق"، وشاعت في لسان الفقهاء، والزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء: هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان، كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة [2] .

على أن هناك تعميمات خاطئة بشأن المنافقين، وهو أنهم مكذبون بقلوبهم ومصدقون بألسنتهم، وهذا أحد أصناف المنافقين فعلًا ولكن ليس كل المنافقين هكذا، بل أنواع، بل الغالب عليهم أنهم يعرفون الحق بقلوبهم وينقادون له أحيانًا، إلا أن ضعف الإيمان في قلوبهم يجعلهم ينقلبون على أعقابهم أحيانًا أخرى، إما ضعفًا في قول القلب وشكًا وترددًا، وإما ضعفًا في عمل القلب من الانقياد والمحبة والتعظيم والتوقير.

* أصناف النفاق:

وقد ضرب الله -عز وجل- مثلين في أول سورة البقرة أوضح فيها حال صنفين أساسيين من أصناف المنافقين يندرج تحتهما كافة أحوال المنافقين وصفاتهم المختلفة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى تفصيلًا في مواضع أخرى.

1 -المثل الأول: هو المثل الناري، يقول الله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) (البقرة: 17 - 18) .

(1) السابق.

(2) الإيمان الأوسط، ص3 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت