الصفحة 63 من 237

وأن هذا الأصل يستتبعه فروع واجبة، هي تفصيلات الشريعة من أوامر أو نواه، فعلها العبد وأتى بها على وجهها وأتمها دخل الجنة ابتداء بلا عقاب، وإذا قصّر في القيام بها فقد قصّر في إيمانه الواجب وأصبح مستحقًا للوعيد ومعرضًا للعقاب بقدر ما فرّط فيها، وإن كان مآله إلى الجنة في نهاية أمره. وأن هناك فروعًا مستحبة، إذا أتى بها العبد بعد تحقيق إيمانه الواجب، ارتفع مقامه في الجنة بقدر ما أتى منها إلى ما شاء الله.

إذا علمنا أن هذا هو مفهوم الإيمان عند السلف، فإنهم قد نظروا إلى نصوص الشريعة من خلال هذا الفهم ومن خلال ما لقنهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفاهيم عن معاني الشرك والكفر والظلم ونحوها، فخرجوا بأن الكفر يأتي في نصوص الشريعة بأحد معنيين:

المعنى الأول: أن يأتي بمعنى سقوط"مطلق الإيمان"جملة، أي سقوط أصل الإيمان وخروج صاحبه من دين الله. وهو ما يعرف"بالكفر المطلق"أو الكفر الأكبر الذي يقف بصاحبه خارج دائرة الملة الإسلامية أي"كفر ينقل عن الملة".

المعنى الثاني: أن يأتي بمعنى سقوط"الإيمان المطلق" [1] ، أي خدش الإيمان الواجب بمعصية مغلطة لا تخرج بصاحبها عن دائرة الملة. وهو ما يعرف عند السلف"بالكفر الأصغر"أو"كفر دون كفر"أو"كفر لا ينقل عن الملة"وهكذا الظلم والفسق والمعصية والنفاق والفساد ونحوها، قد تأتي في نصوص الشريعة بمعانيها المطلقة التي تعادل الكفر المطلق الذي يخرج من الملة، وقد تأتي بمعنى المعصية التي هي دون الكفر، والتي تعرض صاحبها للوعيد والعقاب، مع بقائه داخل دائرة الملة الإسلامية.

وسنتحدث الآن بشيء من التفصيل عن النوع الأول من نوعي الكفر، وهو الكفر الأكبر المخرج عن الملة، بينما سنفرد الفصل اللاحق -بمشيئة الله-للحديث عن النوع الآخر وهو الكفر الأصغر، مستدلين في كل موضع بكلام الأئمة وسلف الأمة -رضي الله عنهم أجمعين-.

الكفر الأكبر:

(1) "الإيمان المطلق": هو الإيمان بجميع درجاته من أصل وواجب ومستحب. فعدم تحققه لا يعني بالضرورة انعدام أصل الإيمان. وأما انعدام"مطلق الإيمان"فمعناه انخرام أصل الإيمان وعدم بقاء شيء من الإيمان أصلًا ينفع صاحبه. وأما"مطلق الكفر"فقد يصرف إلى الكفر الأكبر أو الأصغر حسب اعتبارات كثيرة ستتضح تفصيلًا إن شاء الله. وأما"الكفر المطلق"فالمقصود به الكفر الأكبر المخرج عن الملة والعياذ بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت