فهرس الكتاب
(هذا ولما كان الإيمان والإسلام في الشرع منقولين من الاستعمال الثاني فيها -أعني غير متعديين- وجب أن نقارن بين معنى الإيمان اللازم وهو التصديق، ومعنى الإسلام اللازم، وهو الانقياد مقارنة تحليلية يتبين بها مقدار الصلة بين المعنيين لغة قبل أن ننظر فيما طرأ عليهما بعد النقل) .
والذي يخلص لنا من هذا التحليل والمقارنة أن"التصديق"وهو اعتقاد الصدق محله القلب، هذا أصله، فإن سمينا الاعتراف والإقرار باللسان تصديقًا فإنما نسميه بذلك لكونه ترجمة لذلك التصديق القلبي، وعبارة عنه، وإن ذهبنا لنسمي امتثال الأمر تصديقًا لغويًا أيضًا لم يكن لنا ذلك إلا عن ضرب من المجاز البعيد. أما"الانقياد"وهو الطاعة والامتثال فإنه بحسب حقيقته اللغوية يتسع لكل هذه المراتب الثلاثة، لأنه إما بالظاهر أو بالباطن أو بكليهما، فالانقياد الباطني يشمل التصديق والرضى والمحبة والنية وغير ذلك من الأحوال والأعمال القلبية، والانقياد الظاهري يتناول الاعتراف باللسان والخدمة بالجوارح والوقوف عند الحدود بحيث يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر، كالبعير ينقاد بالزمام، وعلى هذا فمعنى الإسلام لغة أعم من الإيمان عمومًا مطلقًا من الناحية اللغوية وليس من الناحية الشرعية.
أما اشتهر من أن الإسلام هو الانقياد الظاهري فقط، فلست أعرف مستندًا فقهيًا -أعني من فقه اللغة- لهذا التقييد إلا أن يكون قد ثبت شهرة استعماله في هذا المقيد، أو تبادره منه عند إطلاقه، بناء على أن اللفظ إذا كان له معنى حسي ومعنى عقلي، كان المعنى الحسي أقرب إلى الفهم.
فإن ثبت هذا أو ذاك كان تعريف الإسم بخصوص الانقياد الظاهري حربًا بالقبول، وعليه يكون معنى الإسلام غير معنى الإيمان، لأن أحدهما استسلام بالظاهر والآخر إذعان بالباطن، ولا تلازم بينهما، بل قد يوجد كل منهما بدون الآخر، كالمؤمن بالشيء يكتم إيمانه فيكون مؤمنًا به غير مسلم، والجاحد بالشيء يتظاهر بأنه موقن، فيكون مسلمًا غير مؤمن، وقد يجتمعان إذا تطابق الظاهر والباطن على أمر واحد، فكان القول والعمل به مصداقًا للاعتقاد له، وإذًا يكون المؤمن والمسلم كل منهما أعم من الآخر من وجه.
أما في لسان القرآن"فكثيرًا"ما يراد بهما ذلك المعنى اللغوي نفسه بدون تصرف فيه، فيراد من الإيمان مطلق التصديق بحق أو باطل، ويراد من الإسلام مطلق الانقياد لأي أمر. و"كثيرًا"ما يراد بهما معنى أخص من ذلك صار في العرف الشرعي حقيقة جديدة، فيراد من الإيمان خصوص التصديق بخبر السماء المنزل على الأنبياء، ويراد من الإسلام خصوص الانقياد لله رب العالمين.