فهرس الكتاب
رسول الله، وأني أبغض اليهود والنصارى. فقولي أنا مؤمن. كقولي: أنا مسلم. وكقولي: تكلمت بالشهادتين. وقرأت الفاتحة. وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى. ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أعلمها وأقطع بها. وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله. كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله. قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموهم الشكاكة.
والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان:
أحدهما [1] : أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أن يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا، ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه ...
وأما مذهب سلف أصحاب الحديث، كابن مسعود وأصحابه، والثوري وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم.
لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه. بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لا بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم بلا علم [2] ...
وأما الموافاة، فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث ...
(1) وهو أحد الاعتبارات التي يمكن الاستثناء على أساسها وإن كان ذلك غير مشهور عن السلف كما سيذكر.
(2) وهذا أحد الاعتبارات التي يجوز الاسثناء على أساسها، بل هو الاعتبار المعتبر عند السلف.