فهرس الكتاب
ثانيهما: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار. فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفس بالجنة، فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر [1] ...
وهذا مطابق لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات، المستحق للجنة إذا مات على ذلك، وأن المفرط بترك الأمور أو فعل المحظور لا يطلق عليه أنه مؤمن، وأن المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله، فإذا قال: أنا مؤمن قطعًا. كان لقوله: أنا بر تقي ولي الله قطعًا.
وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب، لأن هذا بدعة أحدثتها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم. فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقًا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن. فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به.
فلما علم السلف مقصدهم، صاروا يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال.
ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن. بلا استثناء إذا أراد ذلك. لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه.
وقال المروزي: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن مؤمنون؟ فقال: نقول: نحن المسلمون. وقال أيضًا: قلت أبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون؟ قال: ولكن نقول: إنا مسلمون. ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة، أن الإيمان مجرد القول، بل تركه لما يعلم أن في قلبه إيمانًا، وإن كان لا يجزم بكمال إيمانه ..
(1) وجواز ترك الاستثناء عند السلف والأئمة يكون -كما ذكرنا- إذا عنى أصل الإيمان دون كماله.