الصفحة 159 من 237

قال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاوس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ...

فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور.

ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا مأخذ ثان [1] ، وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة لما فيه من الحكمة ...

قيل له- أي أحمد بن حنبل-: نستثني في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أستثني على اليقين لا على الشك. ثم قال: قال الله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح: 27) فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام.

فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثنى مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، بقوله بلسانه وقلبه، لا يشك في ذلك ... فلو استثنى لنفس لموجود في قلبه جاز، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله" [2] وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل، وهو كونه أخشانا، فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله، كما يرجو المؤمن إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله منه، ويخاف أن لا يكون تقبله منه، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" [3] ...

وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل: إن شاء الله. يكون مع كمال إرادته في حصول المطلوب، وهو يقولها لتحقيق المطلوب لاستعانته بالله في ذلك، لا لشك في الإرادة، هذا فيما يحلف عليه ويريده كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (الفتح: 27) فإنه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون، وقد علقه بقوله: (إن شاء الله) ، فكذلك ما يخبر

(1) وهو أحد الاعتبارات التي يجوز على أساسها الاستثناء في الإيمان.

(2) مسلم.

(3) أخرجه الترمذي وأحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، الإيمان (428) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت