فهرس الكتاب
وهذا القول يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن، ولذلك فهو يلزم المرجئة والجهمية معهم. وأما بقية أفكار الجهمية فهي كالتالي:
-ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، وأن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط، وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح. والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن.
-ظنهم أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، أي دون أعمال القلوب عمومًا، فأخرجوا ما في القلوب من حب الله وخشيته، ونحو ذلك من أعمال القلوب أن يكون من نفس الإيمان.
-ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، فجعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيره- أنه إنما كان كافرًا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للحس والعقل والشرع. وكذلك جعلوا من يبغض الرسول ويجسده كراهة دينه مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك.
-جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سبّ الله ورسوله والتثليث وغير ذلك، قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة. وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام.
-جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة.
-لزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين.
وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول وصحيح المنقول، كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة -رحمهم الله-.