الصفحة 21 من 237

وقال سعيد بن جبير: والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه، عرف أنه ذنب، واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق [1] .

وقال الأوزاعي: والإيمان بالله باللسان، والتصديق به العمل [2] .

وهكذا نرى أن الإيمان -وإن كان أصله التصديق- فهو تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص، وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيًا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟ [3] .

ويجب أن نقرر في ختام هذا الفصل أن التركيز على إيضاح الفرق بدقة بين الإيمان والتصديق لغة وشرعًا إنما ترجع أهميته إلى الآثار البعيدة والخطيرة التي خلفها الخلط بينهما في ذهن كثير من المنتسبين لهذا الدين قديمًا وحديثًا، والتي انعكست بالضرورة على فهم هؤلاء لدينهم من جهة، وفهم واقعهم الذي يعيشونه من جهة أخرى.

إن قصر قضية الإيمان على مجرد التصديق بمعناه المجرد، وحصر دائرة الدين بناء على ذلك على مجرد الشهادة للرسول بالصدق،، قد أسقط قيمة العمل وبدرجات متفاوتة عند كثير من المنتسبين لهذا الدين، سواء في تصورهم لحقيقة هذا الدين، أم بالضرورة في حياتهم وأخلاقهم وسلوكهم العملي.

وسنرى في الفصول اللاحظة -إن شاء الله- كيف وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأن من سبّ الله ورسوله، أو تكلم بالتثليث، أو صرح بكل كلمة من كلام الكفر فهو مؤمن ناج عند الله طالما أنه يصدق بالرسالة ولا ينكرها!!

فانظر كيف يؤدي الخروج عن منهج السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ومهما كان هذا الخروج صغيرًا- إلى هذه النتائج الخطيرة والانحرافات البعيدة عن صراط الله المستقيم.

(1) الإيمان، لابن تيمية، ص279.

(2) الإيمان، لابن تيمية، ص280.

(3) الإيمان، ص281. وهذا هو النزاع بين بعض فقهاء الكوفة من جهة وجمهور السلف من جهة أخرى، وسنتعرض له -إن شاء الله- عند مناقشة معنى التصديق عند الحنفية بالفصل الثاني عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت