-عن سعيد بن جبير أنه جاء إليه رجل فسأله فقال: أرأيتك ابن نوح: ابنه؟ فسبح طويلا، ثم قال: لا إله إلا الله، يحدث الله محمدا: {ونادى نوح ابنه} وتقول ليس منه!! .. ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن.) تفسير الطبري (12/ 431) .
وهذه التفاسير التي ذكر الطبري موافقة لقراءة الكسائي: {إنه عَمِل غيرَ صالح} أي: من الكفر والتكذيب، وقرأ باقي السبعة: {إنه عَمَلٌ غيرُ صالح} أي: ذو عمل غير صالح، على حذف المضاف.
وإلى ذالك أشار الشاطبي بقوله:
وَفِي عَمَلٌ فَتْحٌ وَرَفْعٌ وَنَوِّنُوا ... وَغَيْرَ ارْفَعُوا إِلاَّ الْكِسَائِيَّ ذَا الْمَلاَ
قال القرطبي: (وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، فهو على حذف مضاف، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب.) تفسير القرطبي (9/ 46)
وقال أبو السعود: (قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي ليس منهم أصلًا لأن مدار الأهليةِ هو القرابةُ الدينية) تفسير أبي السعود (3/ 354) .
ولهذا كانت أخوة الدين اثبت من أخوة النسب. لأن أخوة النسب تنقطع وشيجتها باختلاف الدين وأخوة الدين لا تنقطع باختلاف النسب.
وقد حرم الله قتال المسلم وإن لم يكن أخا في النسب، وأوجب قتال الكافر وإن كان أخا شقيقا.
وإذا كانت وشيجة النسب تنتفى آثارها باختلاف الدين كما قال تعالى مخاطبا نوحا عليه السلام في شأن ابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} فكيف تثبت رابطة الأخوة مع اختلاف الدين و اختلاف النسب؟!
ولم يزل أهل العلم يستدلون بقوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء} على عدم مشروعية قتل المسلم بالكافر لكون الآية ذكرت وصف الأخوّة، وهي منفية بين المسلم والكافر.
قال الشافعي رحمه الله في بيان من لا قصاص بينهم لاختلاف الدين:
(قال الله تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} الآية.
قال الشافعي: فكان ظاهر الآية والله أعلم أن القصاص إنما كتب على البالغين المكتوب عليهم القصاص لأنهم المخاطبون بالفرائض إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية وقوله {فمن عفي له من أخيه شيء} لأنه جعل الأخوة بين المؤمنين فقال {إنما المؤمنون إخوة} وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ظاهر الآية.) الأم ـ للشافعي (6/ 37)
وقال الزركشي: ( {كتب عليكم القصاص} إنما ورد والله أعلم في المسلمين، بدليل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} فخاطب المسلمين، ثم قال سبحانه: {فمن عفي له من أخيه شيء} والكافر ليس بأخ للمسلم) شرح الزركشي (3/ 9) .
وقد استدل ابن حزم أيضا على إسلام القاتل بهذه الآية فقال:
(ويقال لمن قال أن صاحب الكبيرة كافر قال الله عز و جل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} .
فابتدأ الله عز و جل بخطاب أهل الإيمان من كان فيهم من قاتل أو مقتول ونص تعالى على أن القاتل عمدا وولي المقتول إخوان وقد قال تعالى إنما المؤمنون أخوة فصح أن القاتل عمدا مؤمن بنص القرآن وحكمه له بأخوة الإيمان ولا يكون للكافر مع المؤمن تلك الأخوة) الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 131) .
وقال الشوكاني:
(قوله"لا يخطب الرجل على خطبة الرجل"ظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق ولا على خطبة الكافر نحو أن يخطب ذمية فلا يجوز لمن يجوز نكاحها أن يخطبها ولكنه يقيد هذا الإطلاق بقوله في حديث أبي هريرة"لا يخطب الرجل على خطبة أخيه"فإنه لا أخوة بين المسلم والكافر وبقوله في حديث عقبة"المؤمن أخو المؤمن") نيل الأوطار (6/ 166) .
وكما أن الأخوة بين المسلم والمسلم دون الكافر فهي ثابتة أيضا بين الكافر والكافر دون المسلم، ولم يكن أهل العلم يصفون الكافر بالأخوة إلا مع كافر مثله، كما قال الزيلعي في"تبيين الحقائق":
(إذا مات المستأمن في دار الإسلام عند أخيه الذمي وله في دار الحرب أخ ورثه أخوه الحربي لا أخوه الذمي) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (6/ 240) .
قلت: وهذا يعني أنه لا أخوة بين المسلم والكافر .. وإنما أخوة الكافر مع نوعه من الكفار، أو جنسه من الكفار ..