فهرس الكتاب
الأول: الشرك بالله في عبادته، كدعوة غير الله ورجائه والاستعانة به والاستغاثة والتوكل، ونحو ذلك من أنواع العبادة. فمن صرف منها شيئًا لغير الله كفر ولم يصح له عمل. وهذا الشرك هو أعظم محبطات الأعمال، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
وقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) . ففي هذه الآية نفي للشرك وتغليظه والأمر بعبادة الله وحده. ومعنى قوله: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) أي لا غيره، فإن تقديم المعمول يفيد الحصر عند العلماء.
الأمر الثاني: انشراح الصدر لمن أشرك بالله، وموادة أعداء الله، كما قال تعالى: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الآية، إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) . فمن فعل ذلك فقد أبطل توحيده، ولو لم يفعل الشرك بنفسه. قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية.
قال شيخ الإسلام: أخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا، فمن وادَّه فليس بمؤمن. قال: والمشابهة مظنَّة الموادَّة فتكون محرمة.
وقال العماد بن كثير رحمه الله في تفسيره: قيل نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم بدر، أو"أبناءهم"في الصدِّيق يومئذ همَّ بقتل ابنه عبدالرحمن، أو"إخوانهم"في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، أو"عشيرتهم"في عمر قتل قريبًا له يومئذ أيضا، وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ. قال: وفي قوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سرٌّ بديع، وهو أنهم لما سخطوا على القرايب والعشاير في الله، عوَّضهم الله بالرضا عنهم ورضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.
ونوَّه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة، في مقابلة ما ذكر عن أولئك من أنهم حزب الشيطان: (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) قلت: هم الذين والوا أهل الضلال وسخطوا على أهل الإيمان.
الأمر الثالث: موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال، كما قال تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، وقال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وهذا خطاب الله تعالى للمؤمنين من هذه الأمة، فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات.
ولما أعانت قريش بني بكر على خزاعة سرًّا وقد دخلوا في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتقض عهدهم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غضبًا لله وتجهز لحربهم ولم ينبذ عليهم. ولما كتب حاطب كتابا يخبرهم بذلك إخبارًا أنزل الله تعالى في ذلك هذه السورة، ابتدأها بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) إلى قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) .
ثم أمر تعالى بالتأسي بخليله عليه السلام وإخوانه من المرسلين بالعمل بدينه الذي بعثهم به، فقال: