فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 294

إن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية الذي هو الإقرار بأفعال الله وصفاته واتصافه بذلك دون غيره كالخالقية والرازقية والملكوتية وغيرها من صفات الربوبية، وأن غيره مربوب له ومخلوق له ومرزوق ومتصرف فيه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرا، ولا موتاَ ولا حياةً ولا نشورا، وإنهم مقرون بذلك وأن ذلك الإقرار لم يدخلهم في الاسلام ولم يحرّم دماءهم وأموالهم لانتفاء شرطه، وشرطه هو من توحيد الآلهية، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة يونس: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ، ويفهم من الآية تفريقهم بين الربوبية والإلهية وأنهما حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا، وعلى هذا سؤال القبر في قوله من ربك أي من إلهك؟ لأن توحيد الربوبية لا يمتحن بها وكذلك قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّا) أي إلهًا.

وأما افتراقهما فقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ) فاعرف هذا.

وقال سبحانه في سورة المؤمنين: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) والاستفهام هنا للتقرير، وقد أخبرنا بما يقولون العليم الخبير.

وقال في سورة العنكبوت: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) وقال: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) .

وتفسير هذه الآية إيمانهم بتوحيد الربوبية وشركهم في توحيد الألوهية، وهنا اجتمع الشرك والإيمان اللغوي.

وقال تعالى في سورة الزخرف: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون) .

وقال سبحانه وتعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) .

بل هذا فرعون مع دعواه أقبح دعوى، يقول فيه حاكيًا عن موسى عليه السلام: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) .

وقال إبليس اللعين: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) .

فبعث الله النبي يدعوهم الى الله بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، وأن يفردوه بكلمة لا إله الا الله، معتقدين معناها عاملين بمقتضاها، لا يدعون مع الله أحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت