فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 294

إذا قيل هذه الآيات نزلت في المشركين عبدة الأصنام المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولا تكون في غيرهم ولا تشتمل على سواهم.

فالجواب: إن الجامع بين المشركين الأولين والآخرين موجود وهو الشرك. فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع، وفى الحديث:"حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة".

وفي أصول الفقه: أن العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: فكل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها. وهذا باطل وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية، فإن آيات الحدود والجنايات والمواريث والديانات نزلت في قضايا قد مضت ومضى أهلها الذين نزلت فيهم وحكمها عام الى يوم القيامة، لأن العام لا يقصر على السبب وخطابات الشرع تتعلق بالمكلف المعدوم تعلقًا معنويًا، وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما في مثل ذلك فيما نزل على بني اسرائيل وأنه علينا مثلهم قال: ما أشبه الليلة من البارحة.

قال بعضهم: نعم الإخوة بنو اسرائيل اذا كان كل حلوة لكم ولهم كل مرة.

وفى الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقريره في شرعنا، وهذه المسائل ورد شرعنا بتقريرها ونطق القرآن والسنة بتكريرها، وإنما هذا الجواب على السؤال وإلا فما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب وقاتلهم عليه ونزل القرآن فيه آيات محكمات غير منسوخة للأول والأخر والآيات النازلة فيمن قبلنا من الأمم مع أن شرعنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم أغنت وأقنت، وكفت وشفت، وأعادت وأبدت، وظهرت ومضت، فلله الحمد رب السموات ورب الأرض ورب العالمين.

وفى تفسير آخر البقرة أنهم قالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم سمعنا وعصينا"فشبه ما قالوا من الكلام بقول سلف من الانام.

وعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه إذا رأى مخيلة تغير وجه وتلون ودخل وخرج وأقبل وأدبر فإذا أمطرت السماء سري عنه، قالت: وذكرت له الذي رأيت فقال:"وما يدريك لعله كما قدم: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أخرج الحديث البغوي بسنده ومثله في صحيح البخاري."

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بحث الشرك الأكبر الآية التي في سورة سبأ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) .

والقرآن مملوء من أمثالها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته ويظنون في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا وهذا الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن كما قال عمر رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الاسلام عرورة عروة اذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت