فهرس الكتاب
أن الإلهية هي العبادة، وأن العبادة معناها التوحيد.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد، وقال تعالى في سورة الذاريات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي يوحدون، وقال رب الأرباب في فاتحة الكتاب: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي نوحدك ونطيعك وتقدم المعمول يفيد الحصر والاختصاص كما ذكره علماء البيان ومثل ذلك قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) وهذا يتضمن الأمر بالعبادة لله وحده، والنهي عن الشرك، فالضمير الظاهر المقدم يفيد النهي عن الشرك وفعل الأمر يفيد وجوب العبادة لله تعالى مثل قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، وقال عز من قائل عليمًا في سورة البقرة أول آية فيها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي وحدوا ر بكم كما قاله المفسرون.
وقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) إلى آخر السورة التى تسمّى سورة الاخلاص، أي إخلاص التوحيد العملي.
فالعبادة فيها هي التوحيد وهي الدين المرضي أيضًا، وكرر النفي ليعم الماضي والمستقبل، والتكرير يوجب التأثير خصوصًا والشرك العملي يحتاج في قلعه الى مثل هذا.
والمراد هنا أن العبادة هى الإلهية المختصة بالله، والعبادة في اللغة غاية التذلل والخضوع، وشرعًا ما أمر الشارع به من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله وعظمته وهي اسم جنس يشتمل على أنواع كثيرة وأصل العبودية الخضوع. والذل والتعبد والتذلل والعبادة والطاعة، ومنها الاستغاثة والذبح والنذر ونحوها، وقد يجتمعان ويفترقان أعني الطاعة والعبادة:
فإذا قيل أن الذم بالتكفير ورد فيمن عبد الأصنام والأشجار والأحجار و عبد الطاغوت من الكهان والشياطين، فكيف يكون ما أنزل فيهم فيمن عبد الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين؟
فالجواب: إن ما يعبد به الأصنام من الدعاء والذبح والاعتقاد هو الذي يفعل للأولياء وغيرهم، والذي يطلب منهم هو الذي يطلب من هؤلاء المذمومين، وفعل المشركين الآخرين هو فعل أولئك، فقد استوت الكفتان وتشابهت الطائفتان، وإذا استوى الأصل والفرع في العلة استويا في الحكم، فكيف إذا وجد النص المقدم على القياس ارتفع الإشكال والالتباس، وإذا لم يبق إلا النظر بين عبادة الصالح والطالح، فهاك الدليل والواضح: (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) .
والدليل العام قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا) ، وقال تعالى في سورة سبأ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) .