فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 294

فى ذكر من قال إن هذا شرك يحل الدم والمال ويوجب الحرب والقتال بعد قيام الحجة وبلوغ الدعوة ووصول العلم وظهور الكفر منه، وهذه الأشياء قيود وشروط لما أطلقه في هذا المبحث ولا تكفير بالظن أيضًا.

فاعلم أن الاستقصاء غير ممكن وليس بعد كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كلام يطلب الاستدلال، وماذا بعد الحق إلا الضلال ومن أصدق من الله حديثًا والسنة النبوية هي الحجة عند النزاع، والمراد إذا تتابعت الأشياع فمن استدل بها واعتمدها فقد أفلح ومن استعملها ووزن بها فميزانه الأرجح: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وقد سمعت ما مر من الآيات البينات والأحاديث الواردات.

وإذا البينات لم تغن شيئًا ... / ... فالتماس الهدى بهن عياء

وإذا ضلت العقول على العلم ... / ... فماذا تقوله النصحاء

ولكن سنذكر من كلام العلماء ما يدل أنهم ورثة الأنبياء ومصابيح الظلماء.

فأولهم صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه فإنه قال في قتال أهل الردة: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، بل قال: لو منعونى عقالًا كانو يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.

ولما كفر من كفر من العرب في خلافته قاتلهم عليه واستحل دماءهم وأموالهم بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، فصار إجماعًا وأكبر شيء في ردتهم على تنوعها قولهم ان مسيلمة الكذاب نبي فكيف بمن قال أن غير الله إله يعبد أو عبده واعتقد فيه الآلهية وجعله متصفًا بها وإن لم يقلها بلسانه، ووافق عمر على قتال من فرق بين الصلاة والزكاة بعد أن توقف عنهم ثمّ ظهر الدليل فسلكوا سواء السبيل.

وقال بكفر تارك الصلاة جماعة من الصحابة والتابعين، ففي كتاب الترغيب والترهيب للمنذري عن ابن حزم: أنه جاء كفر تارك الصلاة عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وأبي هريرة.

قال المنذري: وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدًا حتى يخرج وقتها، منهم ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق وابن مبارك، هذا في تركها وقد صنف القحيطي في ذلك مؤلفًا.

وأما جحودها فكون ذلك كفرًا مسألة وفاق بين العلماء فكيف بمن ترك التوحيد وجحد حق الله على العبيد أو جعل المخلوق في مرتبة الخالق وسبه بالشرك والتنديد.

وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى لها باسًا.

وفي روايات لا يرى بها بأسًا لا يتبين فيها لا يظن أن تبلغ به ما بلغته فتفطن لها فإنها مفيدة، بل في قصة غزوة تبوك أن الذين تكلموا بالكفر ونزل فيهم قوله تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أنهم اعتذروا بالمزح والخوض واللعب ولم يعتذروا، ونزل قوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، وقد حكم الصحابة بكفر من استحل الخمر متأولا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) ومن أولئك قدامة بن مظعون لكنهم تابوا ورجعوا عما تأولوه كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة مما ذكره الله في سورة المائدة وهمّ عمر بقتله، لو لا ما ذكره من العذر. فما بالك بمن استحل الشرك ولو كان أصغر؟ فإن استحلال المحرم القطعي كفر إجماعًا.

وكذلك حكم ابن مسعود رضي الله عنه في زمن عثمان رضي الله عنه بكفر الذين تكلموا في مسجد بني حنيفة في الكوفة بأن مسيلمة مصيب في دعواه.

وحكم علي رضى الله عنه بكفر الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه صفة الآلهية ثمّ حرقهم بالنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت