فهرس الكتاب
إن الدعاء من العبادة بل هو مخها ورأسها وأفضلها.
وفى الحديث: أكرم شيء على الله الدعاء، وورد أفضل العبادة، الدعاء أخرجه الحاكم وصححه. وورد الدعاء هو العبادة، أخرجه الترمذي.
وهذا يدل على الحصر، أي حصر الخبر في المبتدأ، لأجل الفصل بينهما بالضمير. فان دلت قرينة على عدم الحصر فيكون للتمييز بأفضلية ما أو للمبالغة والاهتمام بشأن الشيء، وقد سبق أن معنى العبادة التوحيد، والدعاء عبادة، فدعاء غير الله شرك.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) .
فقد جمع في هاتين الآيتين دعاء العبادة ودعاء المسألة وأنهما مختصتان بالله تعالى.
وفي سورة البقرة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) وسبب النزول يبين أن الدعاء هو النداء والمسألة، لأنهم قالوا: هل ربنا قريب فنناجيه أو بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية الكريمة، ذكره في تفسير الجلالين.
وقال في سورة الإسراء: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ففي التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده يا الله يا رحمن، فقال أبو جهل إن محمدًا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية. وانظر في أسباب النزول محط أرباب العقول.
وفى سورة نوح: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) .
فهذه نصوص صريحة أن الدعاء عبادة وأنه النداء وأنه المنهي عنه وأن المنادىَ يكون إلهًا للمناديِ، وأن ذلك شرك، وقد قال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ، وقال سبحانه وتعالى: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقال تعالى في سورة الأعراف: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا) إلى قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
ففيه أن الدعاء قولهما: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) .
وهنا الشرك في مجرد التسمية، وهنا يقال شركاء في طاعته لا في عبادته.
وتكريرنا الاستدلال على أن الدعاء هو النداء، لأن أهل التفاسير يحملون الدعاء على أحد خمسة معانٍي بحسب المقام عند كل آية.
وأصل الدعاء في اللغة الإيمان، وفى القاموس الدعاء: الرغبة إلى الله، وعرف بأنه رفع الحاجات إلى رفيع الدرجات.
وقد ورد الوعيد الشديد في ذم من سأل الناس من أموالهم خصوصًا إذا كان معه ما يكفيه أو ما يغشيه أو يغذيه، فكيف بمن يسأل الأموات قضاء الحاجات؟ (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .
وقال سبحانه وتعالى في سورة الجن: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .