فهرس الكتاب
وقال في سورة الأحقاف: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) .
وقال في سورة يونس: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) .
وقال في سورة المؤمنين: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) .
وقال في سورة العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
فيفهم من الآيات أن من دعا غير الله ضال ظالم لنفسه مشرك كافر، وهذه اللام لام العاقبة أي عاقبة شركهم الكفر والتمتع.
فإن قيل أن الداعي إنما أراد التقرب الى الله بدعوته والشفاعة الى الله.
فالجواب: إن هذا عين ما أراده المشركون بدليل قوله تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ، وفى الآية الأخرى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) فختم الآية الأولى بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) ، وختم الثانية بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
فإن قيل إنهم يظنون إنهم على هدى لا أنهم على ضلالة.
فالجواب: قال الله سبحانه وتعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) .
ففيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على حق هو والجاحد المعاند سواء، وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما القسط هنا بلا إله إلا الله، وفسره الضحاك بالتوحيد.
وقال سبحانه: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) .
وفي تفسير البغوي رحمه الله عند قوله تعالى في سورة يونس: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، قال: أي أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدًا سوى الله تعالى. إنتهى.
ففيه أن الدعاء هو الدين، والإخلاص فيه هو التوحيد، ودعوة غير الله شرك.
فإن قيل إن الدعاء لغير الله يكون من الشرك الأصغر مثل الطيرة والحلف بغير الله لأنه قد ورد أنها شرك وفسروها بالأصغر.
فالجواب: إن الحلف يكون تارة من الأكبر إذا قصد به تعظيم المخلوق كتعظيم الله.