فهرس الكتاب
ولم ينكر المشركون على الرسل إلا طلبهم إفراد العبادة لله وحده ولم ينكروا الله ولا أنه يعبد بل أنكروا كونه يفرد: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) .
وعبادتهم العكوف عند مقابرهم والهتف بها عند شدائدهم والذبح لها مع اعتقادهم أن صفات الربوبية لله وحده، ليس لشركائهم منها شيء، وأنهم يريدون التقرب بذلك والشفاعة عند الله، فبين شرك أهل زماننا وشرك الأولين فروق أربعة:
الأول: أنهم لا يشركون في توحيد الربوبية، ولا يشركون في الشدة ويردون الشفاعة والقربة، ويطلبون من الله سبحانه بواسطتهم، مشركو أهل زماننا يفارقونهم في هذه الأربعة.
والدليل الأول ما مر آنفًا في إقرارهم بتوحيد الربوبية.
والدليل على أنهم لا يشركون في الشدة قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ، وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) ، وقال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
وهذه اللام لام العاقبة عند النحويين أي عاقبة شركهم الكفر والتمتع.
ودليل أنهم يريدون الشفاعة ويطلبون القربة قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) والتقدير أي قائلين ما نعبدهم الى أخره.
وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) .
وهذه الأدلة هى دليل المسألة الرابعة، أنهم يريدون من الله سبحانه لا منهم، بل أرادوا الواسطة واتخاذ الوسائط في هذا شرك.
وتأمل أيها الناظر حال مشركي زماننا في هذه الأربع أنهم أشركوا في صفات الربوبية وفى الشدة وطلبوا من معابدهم وأرادوا المطالب منهم، ويا عجباه من هذا والفطرة السليمة والعقول المستقيمة تدل عليه ضرورة لو أن الشياطين اجتالت قلوب المشركين وغيرت الفطرة وهذا هو الواقع، وقد أشرقت المطالع وظهرت الأدلة للقارئ والسامع والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .