فهرس الكتاب
إن الحمد لله، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلي ونسلم على رسوله محمد وعلى آله وصحبه ... وبعد:
فلقد عالجنا في البحثين السابقين نقطتين من أهم النقاط التي انحرفت فيها المفاهيم السائدة عن الحق الواضح، مما أدى إلى تقديم الإسلام لأبناء هذا الجيل مشوهًا مبتورًا، ناقصًا هزيلًا، بل مقطوع الصلة بالدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا من بعض الشكليات الفرعية دون الأصول.
كان بحثنا الأول عن حقيقة معنى التوحيد، وبيان المعنى الخقيقي والأصيل للعبودية لله عز وجل، والتي هي أصل دعوة الرسل جميعًا، فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. كما بينا أصل الإسلام الذي لا يكون دين الله إلا به.
وكان بحثنا الثاني عن ضبط حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل يزيد وينقص، وناقشنا فيه عناصر الإيمان، من المعرفة والتصديق والانقياد القلبي والالتزام العملي باللسان والجوارح، كما أوضحنا معنى الإصرار، والرد للشريعة، ثم رددنا مزاعم المرجئة من أن الإيمان مجرد كلمة تقال باللسان وكفى! أو أنه مجرد عمل قلبي بحت. وكذلك رددنا مزاعم الخوارج الذين أدخلوا في أصل الإسلام ما ليس منه، وحدوا له حدودًا جديدة حسبوها من أصل الدين، بينما هي كمالاته وواجباته.
كذلك أمكن لنا تحديد المقاييس الدقيقة التي نستطيع بها ضبط الواقع القائم، سواء كان واقع فرد معين أم واقع مجتمع ما. حييث إن من لم يستوعب هذه الأصول ويفهمها على وجهها الصحيح فإنه يفقد القدرة على ضبط أي واقع، بل يختلط عليه الأمر اختلاطًا شديدًا، فيحسب الكافر مسلمًا، ويرمي المسلم بالكفر، ويموه عليه المنافق بما يؤذيه، ويضره في دينه ودنياه، وهو غير عالم لحقيقته، بل غير واع لما يجري حوله.
إن من الأهداف الأساسية للشريعة الإسلامية التي نبه عليها القرآن الكريم: ضبط الواقع دائمًا ضبطًا شرعيًا، لكي يتميز الخبيث من الطيب، ويعرف الكافر من المسلم، ويتبين الفاسق من العابد، فيمكن حينئذ معاملة كل بما يستحقه، حسب ما شرعه الله سبحانه وتعالى لذلك من ضوابط وحدود.
قال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .
وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) .
إن هذا الأمر قد صار من أهم الأمور وأخطرها، في هذه العصور المنكودة بالذات، وذلك لاختلاط الحق فيها بالباطل والحابل بالنابل اختلاطًا شديدًا، حيث رفع فيها الكافرون شعار الإسلام، بينما هم يخفون وراءه كل العداء والحقد للإسلام ولأهله.
وسنحاول هنا بمشيئة الله أن نعالج بهذا البحث، قضية صارت -بقدر الله- واحدة من أخطر القضايا التي يتعرض لها الفكر الإسلامي، ومن ثم العمل الإسلامي في وقتنا هذا. وهي قضية تأثير عارض"الجهل"على صحة الإسلام أو فساده وبطلانه، ودائرة تأثيره على التكليف، وما يصلح أن يكون فيه عذرًا وما لا يصلح.
ولقد أصبح من الأمور الواضحة الآن مدى تأثير هذه القضية على الواقع الحالي لبعض"دعاة الإسلام"، من حيث تقييمهم للواقع الحالي، ومن ثم من حيث منطلقهم في الدعوة إلى دين الله. بل إن الأمر تعدى ذلك إلى فهمهم الأصلي لحقيقة التوحيد وأصل الإسلام، فكان من لازم قولهم ونتيجته ومساقه ما نعيذهم منه ونأباه لهم.