فهرس الكتاب
ويقول القرطبي: (يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة(إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه، (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) اتبعنا مناهجهم (أَفَتُهْلِكُنَا) بإشراك من أشرك من آبائنا واتباعنا مناهجهم على جهل منا بالحق) ا. هـ.
ويقول البيضاوي: (أي كراهة أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أي لم ننبه عليه بدليل .. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، فاقتدينا بهم، لأن التقليد عند الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذرًا) ا. هـ.
ويقول صاحب المنار: (والمعنى: واذكر أيها الرسول ما أخذه الله من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطنًا بعد بطن، فخلقهم الله على فطرة الإسلام، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أن كل فعل لا بد له من فاعل، وكل حادث لا بد له من محدث، وأن فوق العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات، والعلل والمعلومات، سلطانًا أعلى على جميع الكائنات، هو الأول والآخر، وهو المستحق للعبادة وحده) ا. هـ.
ويقول: (قالوا: بلى شهدنا، أي بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا) ا. هـ.
ويقول صاحب المنار أيضًا: (بين سبحانه سبب هذا الإشهاد وعلته فقال:(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي فعلنا هذا منعًا لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا -إذا أنتم أشركتم به- إنا كنا غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الإلهية بعبادة الرب وحده، والمراد أنه تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بالجهل.
(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) جاهلين ببطلان شركهم، فلم يسعنا إلا الاقتداء بهم (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) باختراع الشرك فتجعل عذابنا كعذابهم، مع عذرنا بتحسين الظن بهم، والمراد أن الله تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد آبائهم وأجدادهم، كما أنه لم يقبل منهم الاعتذار بالجهل بعد ما أقام عليهم من حجة الفطرة والعقل.
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي ومثل هذا التفصيل البليغ نفصل لبني آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم، ولعلهم يرجعون بها عن جهلهم وتقليدهم، والآيات تدل على أن من لم تبلغه بعثة رسول لا يعذر يوم القيامة بالشرك بالله تعالى، ولا بفعل الفواحش والمنكرات التي تنفر منها الفطرة السليمة، وتدرك ضررها وفسادها للعقول المستقلة، وإنما يعذرون بمخالفة هداية الرسل فيما شأنه أن لا يعرف إلا منهم، وهو أكثر العبادات التفصيلية) ا. هـ.
يقول الإمام ابن القيم: (فيكون تأويل قوله:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) وإذ يأخذ ربك، وكذلك قوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم، ويجب به الثواب والعقاب. وكل من ولد وبلغ الحدث وعقل الضر والنفع، وفهم الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدلائل) ا. هـ.
يقول ابن القيم: (ولما كانت آية الأعراف هذه في سورة مكية ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقروا بربويبته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة وينقطع به العذر وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك) ا. هـ.