فهرس الكتاب
فصلوتقدم في كلام الشيخ الإشارة إلى أنه يخشى من الفتنة بالقبور لما نهى عن الصلاة عندها وغير ذلك، وتأكدت الفتنة بقضاء بعض حوائج قاصديها والمشركين بها، وذكر الشيخ رحمه الله من ذلك أشياء كثيرة ذكرها في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وغيره من كتبه، قال: والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها كما يفعل أهل دعوى الكواكب فإنه ينزل عليه الشيطان ويخاطبه ويحدثه ببعض الأمور يسمون ذلك روحانيات الكواكب، وهو شيطان، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين. وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا عنده وظن أن الدعاء عند قبره أفضل من البيوت والمساجد.
وللنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات وهي من الشيطان، مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد عقد، أو يوضع عنده مصروع فيبصرون شيطانه قد فارقه، فيفعل هذا الشيطان ليضلهم. ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق فيخرج منه إنسان فيظنه الميت. ومن هؤلاء من يستعين بمخلوق حي أو ميت سواء كان ذلك الحي مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص أو أنه ملك على صورته، وإنما هو شيطان أضل لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين، ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة، أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات.
قال رحمه الله: حتى إني أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى الشيخ نفسه الذي استغاثوا به وقد رأوه أتاهم في الهواء فيذكرون ذلك، وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ فتارة يكون الشيخ نفسه لم يعلم بتلك القضية، فإن كان يحب الرياسة سكت وأوهمهم أنه نفسه أتاهم وأعانهم، وإن كان في صدق مع جهل وضلال قال: هذا ملك صوره الله على صورتي، وجعل هذا من كرامات الصالحين، وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين ويتخذهم أربابًا وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيثين بهم.
ولهذا أعرف غير واحد منهم ممن فيه صدق وزهد وعبادة لما ظنوا أن هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصي مريديه يقول: إذا كانت لأحدكم حاجة فليستغيث بي وليستنجدني ويقول أنا أفعل بعد موتي ما كنت أفعل في حياتي، وهو لا يعرف أن تلك الشياطين تتصور على صورته لتضله وتضل أتباعه، فتحسّن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله والاستعانة بغير الله وأنها قد تلقى في قلبه أنا نفعل بأصحابك بعد موتك ما كنا نفعل بهم في حياتك، فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي إليه فيأمر أصحابه بذلك، وذكر أشياء كثيرة من هذا الجنس وأعظم منها، والمقصود أن الإنسان إذا سمع بوقوع مثل ذلك لا يستبعده ولا يستغربه إذا عرف أن مثل هذه الأمور تقع لعباد الأصنام والقبور، والأمر كله لله ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.