فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 294

واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلى الصالحين، ودعاءهم ليس بعبادةٍ فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم. فقل له: بين له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة. فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول نعم. فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة. فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: إذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر، ويقول: نعم. وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا.

(فإن قال) أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عز وجل: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، ولا يشفع النبي في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال عز وجل: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا بعد إذنه ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحدٍ حتى ياذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله وأطلبها منه وأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيّ، وأمثال هذا.

فإن قال: النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب أن الله أعطاه الشفاعةونهاك عن هذا فقال: (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) . وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم، فصح أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم. فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.

فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاش وكلا ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر ان الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره، فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه، أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت