فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 294

بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء ومن أتباع من يعتقدون فيه يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون، لقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريين لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائه وقال (هذه لسيدة فلان) يريد صاحب القبر -نصف مهر ابنتي لأني زوجتها وكنت ملكت نصفها فلانًا، يريد صاحب القبر، وهذه النذور بالأموال وجعل قسط منها للقبر كما يجعلون شيئًا من الزرع يسمونه قلمًا في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام وهو داخل تحت قول الله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) بلا شك ولا ريب -نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى يفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف وهذا لا شك في جوازه (أعني) طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض؛ بل قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرًا:"لا تنسنا يا أخي من دعائك".

وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم: يعني قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) ، وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي. وهذا أمر متفق على جوازه؛ والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفوا على حُبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويُدِرُّوا ضروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى -هؤلاء الذين قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) فكيف يُطلب من الجماد أو من حي الجماد خير منه لأنه لا تكليف عليه؟.

وهذا يبين ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) الآية، وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) .

فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، وجعلوا لهم جزءًا من المال، وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة وطافوا حول قبورهم، وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد ونحروا تقربًا إليهم، وهذه هي أنواع العبادات التي عرّفناك، ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيمًاُ له وعبادة ويقسمون بأسمائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت