فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 80

فالفطرة إذن قد تفسد؛ فقد تزول، وقد تكون موجودة ولا ترى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46] .

فإذا حال بين المرء وبين الحق شغله بغير الحق من فتن الدنيا ومطالب الجسد وشهوات النفس. فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال من فوق رأسها.

وإذا حال بينه وبين الحق امتلاء نفسه بالآراء الباطلة والأهواء المردية فيكون هنا كالعين التي فيها قذى، لا يمكنها رؤية الأشياء الواضحة أمامها.

ثم إن الهوى قد يعترض للمرء قبل معرفة الحق، فيصده عن النظر فيه، فلا يتبين له الحق، كما قيل: حبك للشيء يعمي ويصم، فيبقى في ظلمة الأفكار وكثيرًا ما يكون ذلك عن كبر يمنعه أن يطلب الحق (فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ) [النحل: 22] .

وقد يعرض له الهوى بعد أن يعرف الحق، فيجحده ويعرض عنه؛ كما قال ربنا سبحانه فيهم: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) [الأعراف: 146] .

فالقلب إذا صرف إلى الباطل فله وجهان: وجه منصرف إلى الباطل مشغول به؛ ووجه معرض عن الحق غير قابل له.

وهذا عكس القلب السليم الذي استعمل في الحق: إذا وجهه الأول مقبل على الحق محب له؛ ووجهه الآخر معرض عن الباطل كاره له [1] [2] .

(1) (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256] .

(2) الفتاوى جـ10 ص132 - جـ19 ص312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت