فهرس الكتاب
وما أوتيه أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى، فأمر يجل عن الوصف.
وعند عوامهم عن اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة والمتكلمين. وهذا ظاهر مشهود لكل أحد [1] .
الفصل الثالث
الفطرة السليمة قد يعرض لها ما يفسدها مثل
ما يعرض للبدن الصحيح ما يمرضه
وبالرغم من أن القلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به ودينًا له؛ وبالرغم من أن معرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه -لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل- لكن قد يعرض للفكرة ما يفسدها: إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه.
فالباطل على منزلتين: إحداهما تشغل عن الحق ولا تعانده، مثل الأفكار والهموم التي في علائق الدنيا وشهوات النفس. والثانية تعاند الحق وتصد عنه، مثل الآراء الباطلة والأهواء المردية من الكفر والنفاق والبدع وشبه ذلك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء".
ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:"اقرأوا إن شئتم:"فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" [الروم: 30] ".
فالفطرة إذن قد تفسد من المرض، كأبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فهذه كلها تغير الفطرة كما يغير البدن بالجدع. ثم قد يعود إلى الفطرة إذا يسر الله تعالى له من يسعى في إعادته إلى الفطرة.
ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس. فكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس.
والاعتقادات الباطلة العارضة من تهود وتنصر وتمجس، مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس.
وكذلك أيضًا كل ذي حس سليم: يحب الحلو؛ إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرًا.
(1) الفتاوى جـ2 ص1، 67، 324.