فهرس الكتاب
فالطفل الذي يختار مص اللبن بنفسه، وإذا مكن من الثدي وُجدت الرضاعة لا محالة؛ وارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله؛ والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض. فتبين أن النفس كما أن فيها قوة تقتضي بنفسها شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه؛ فكذلك فيها قوة موجبة لحب الله والذل له وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض. وأن ذلك لا يتوقف على سبب خارج عنها [1] .
الفصل الخامس
الرسل يذكرون العباد بما هو مركوز في فطرتهم ويدعونهم إلى موجب هذه الفطرة تفصيلًا وتكميلًا
إذا ثبت ما ذكرنا سابقًا؛ ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه وتعالى ومحبته وتعظيمه والخضوع له، من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك؛ وأن الأسباب الخارجة عن الفطرة لا يعدو دورها التنبيه والتحريك والتذكير.
ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى ما كمل به موجبات الفطرة بذكر وذكرى. وجعل رسوله مذكرًا.
فقال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) [الغاشية: 21] . وقال: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) [الأعلى: 9] . وقال: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ) [غافر: 13] . وقال: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) [البقرة: 256] . وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق: 27] . وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: 17] . وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان: 58] .
وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم، من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له، ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض وإيثاره على ما سواه.
(1) شفاء العليل ص283.