فهرس الكتاب
ولهذا كان اسم العقل له تعلق بالدماغ وبالقلب، فمبدأ التصور في الدماغ، وأصل الإرادة في القلب، وكلاهما لا بد منه للعمل الاختياري [1] .
الفصل الثاني
العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال
لكنه ليس مستقلًا بذلك
كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه؛ ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له. والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغينة بنفسها عن الإيمان والقرآن.
وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه؛ ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه. ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل. ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز.
فالمسرفون في العقل قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمها؛ اعتقدوها حقًا وهي باطل؛ وعارضوا بها النبوات وما جاءت به.
والمعرضون عن العقل صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم.
وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث؛ تارة بعزل العقل عن محل ولايته، وتارة بمعارضة السنن به.
فهؤلاء صدقوه، وعظموه، وأسرفوا فيه، حتى جعلوه هو الميزان وهو الغاية؛ وأولئك صدقوا الوجد، وعظموه، وأسرفوا فيه حتى جعلوه هو الميزان وهو الغاية.
وكلا الطرفين مذموم؛ فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة.
فالعقل إن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها -فالرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه- وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية- قد يكون فيها محبة ووجد وذوق- كما يحصل للبهيمة.
(1) الفتاوى جـ2 ص67 - جـ4 ص29 - جـ9 ص271، 286، 303.