فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 80

فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده، وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه والتصديق به جملة. فجاء الوحي مفصلًا ومبينًا ومقررًا ومذكرًا لما هو مركوز في الفطر والعقول.

فدل على أنه من المستقر في العقول والفطر انقسام الأفعال إلى قبيح وحسن في نفسه. وأن الرسل تدعو إلى حسنها وتنهى عن قبيحها؛ وأن ذلك من آيات صدقهم وبراهين رسالتهم؛ وهو أولى وأعظم عند أولي الألباب والحجي من مجرد خارق العادات؛ وإن كان انتفاع ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظم من انتفاعهم بنفس الدعوة وما جاء بها من الإيمان [1] .

الباب الثالث

الوحي

"الإيمان بالنبوة أصل النجاة والسعادة فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال والإيمان والكفر، ولم يميز بين الخطأ والصواب. بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة ...".

العقل بمجرده يعلم ابتداءًا أنه لا بد من إرسال الرسل والثواب والعقاب وأن الرب قادر على تعريف الناس بأنبيائه ورسله

قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ) [البينة: 1] ؛ أي لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم، يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم كما أن المنفك لا حجر عليه.

والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل بل يفعلون ما شاءوا مما تهواه الأنفس.

والمعنى أن الله ما يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولًا وهذا كقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) لا يؤمر ولا ينهى.

أي أيظن أن هذا يكون؟ هذا ما لا يكون البتة، بل لا بد أن يؤمر وينهى.

(1) الفتاوى جـ8 ص 433 - مفتاح دار السعادة جـ2 ص6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت