فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 80

أما من كذب بالرسل بعد إرسالهم فكفره ظاهر. ولكن من ظن أن الله لا يرسل إليه رسولًا، وأنه يترك سدى مهملًا لا يؤمر ولا ينهى؛ فهذا أيضًا مما ذمه الله؛ إذ كان لا بد من إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما أنه أيضًا لا بد من الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وقيام القيامة.

ولهذا ينكر سبحانه على من ظن أن ذلك لا يكون فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 27، 28] وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115] .

ونحوه من القرآن مما يبين أن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والمعاد، مما لا بد منه. وينكر على من ظن أو حسب أن ذلك لا يكون؛ وهو يقتضي وجوب وقوع ذلك؛ وأنه يمتنع أن لا يقع.

والآيات تضمنت مدح الرب وذكر حكمته وعدله وحجته في أن الكفار لم يكن الله ليدعهم ويتركهم على ما هم عليه من الكفر حتى يرسل إليهم رسولًا بشيرًا ونذيرًا.

فالآيات لم تتضمن مدحهم على بقائهم على الكفر حتى يأتي الرسول؛ فإن هذا غايته أن لا يعاقبوا عليه حتى يأتي الرسول -وهو لم يعذب واحدًا إلا بعد أن جاءتهم البينة وقامت عليهم الحجة- لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول فإن هذا لا يقوله عاقل؛ ولم يقله أحد.

والذين قالوا إن حكمته أو حكمه ومشيئته توجب ذلك؛ يقولون: إن ذلك قد يعرف بالعقل؛ فيقولون: إنه قد يعرف بالعقل أنه لا بد من إرسال الرسل، وأن ذلك واجب في حكمه وحكمته. وهذا قول كثير من الطوائف أو أكثرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت