فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 80

وجمهور الفقهاء مع السلف يثبتون الحكمة والتعليل. وكذلك جمهورهم يثبتون للأفعال صفات بها كانت حسنة أو سيئة قبيحة؛ لا يجعلون حسنها وقبحها ترجيحًا لأحد الأمرين بلا مرجح بل لمحض المشيئة -كما تقول الجهمية ومن وافقهم- هذا قول الأئمة والجمهور.

وأما قدرته على تعريف الخلق بأنه نبيه، فإنه سبحانه وتعالى إذا كان قادرًا على أن يهدي الإنسان الذي كان علقة ومضغة إلى أنواع العلوم بأنواع من الطرق إنعامًا عليه؛ وفي ذلك من بيان قدرته وحكمته ورحمته ما فيه. فكيف لا يقدر أن يعرفه صدق من أرسله إليه؛ وهذا أعظم النعم عليه والإحسان إليه.

ولذا كان أول ما أنزل من القرآن (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍـ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: 1 - 5] ففي الآية الأولى إثبات الخالق تعالى، وكذلك في الثانية. وفيها وفي الثانية الدلالة على إمكان النبوة، وعلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن المقصود بهذه الآيات بيان الدليل على الخالق تعالى؛ وهذا الدليل -وهو خلق الإنسان من علق- يشترك فيه جميع الناس؛ فهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة، فالإنسان هو المستدل وهو نفسه الدليل والبرهان والآية، كما قال تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت