فهرس الكتاب
فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامة الحواس؛ ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم. ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الأمرين؛ فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها تعلم المطالب التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال؛ وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم [1] .
الفصل السادس
أعظم خواص العقل معرفة التماثل والاتلاف وهو"الميزان"الذي فطر الله عليه عباده والذي على أساسه ضرب للناس الأمثال في كتابه
اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات؛ وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردًا عنه.
ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل؛ في الطب والحساب والصناعات والتجارات وغير ذلك؛ وجد الأمر كذلك.
ولهذا قالوا: إن العقل تابع للحس. فإذا أدرك الحس الجزئيات؛ أدرك العقل فيها قدرًا مشتركًا كليًا. فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة. فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات.
وهذه خاصة العقل؛ فإن خاصة العقل: معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات.
والإنسان قد ينكر أمرًا، حتى يرى واحدًا من جنسه، فيقر بالنوع، ويستفيد بذلك حكمًا كليًا.
ولهذا يقول سبحانه وتعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 105] ؛ (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء:123] ؛ ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد؛ ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل، ولم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه.
فمن أعظم صفات العقل إذن: معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا، فجعل حكمهما واحدًا.
(1) الفتاوى جـ2 ص34 - جـ3 ص295 - جـ5 ص356 - جـ8 ص428 - جـ9 ص223، 282 - جـ16 ص444.