فهرس الكتاب
كما إذا رأى الماء والماء؛ والتراب والتراب، والهواء والهواء؛ ثم حكم على القدر المشترك؛ فهذا"قياس الطرد". وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما؛ وهذا"قياس العكس".
وما أمر الله به من"الاعتبار"في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس. فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم؛ كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم؛ فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة؛ وهذا قياس الطرد. ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك؛ وهذا قياس العكس. والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111] .
ولقد قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: 17] .
وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25] .
و"الميزان"فسره السلف: بالعدل. وفسره بعضهم، بما يوزن به. وهما متلازمان. وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يُعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو"الميزان"وكذلك ما يُعرف به اختلاف المختلفات.
فإذا علمنا أن الله تعالى حرم الخمر، لما ذكر من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ ثم رأينا النبيذ يماثلها في ذلك؛ كان القدر المشترك -الذي هو العلة- هو"الميزان"الذي أنزله الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا. فلا نفرق بين المتماثلين.
فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به، و"الميزان"التي أنزلها الله مع الكتاب ميزان عادلة، تتضمن اعتبار الشيء بمثله؛ وخلافه؛ فتسوى بين المتماثلين، وتفرق بين المختلفين؛ بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.