فهرس الكتاب
فإذا قيل: إن كان هذا مما يُعرف بالعقل؛ فكيف جعله الله مما أرسل به الرسل؟
قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف. فإن الرسل دلت الناس وأرشتدهم إلى ما به يعرفون العدل، يعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية.
فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر؛ بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الله علمًا وعملًا؛ وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها لما كانت الفطرة معرضة عنه؛ أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة؛ فأزالت ذلك الفساد.
والقرآن والحديث مملؤان من هذا؛ يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك.
كقوله تعالى: (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية [الجاثية: 21] . وقوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: 35، 36] ، أي هذا حكم جائر لا عادل فإن فيه تسوية بين المختلفين.
ومن التسوية بين المتماثلين قوله تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ) [القمر: 43] .
وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم) الآية [البقرة: 214] .
والمقصود: التنبيه على أن"الميزان"العقلي حق كما ذكر الله في كتابه، وهي: الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.
ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى هذا الميزان العقلي الفطري على قلوب عباده قبل أن يخلق اليونان، من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم.