فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 80

وهذه الغريزة ثابتة عند جمهور العقلاء، كما أن في العين قوة بها يبصر؛ وفي اللسان قوة بها يذوق، وفي الجلد قوة بها يلمس، عند جمهور العقلاء.

والعقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علومًا بديهية أو ضرورية يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره. فالمجنون الذي لا يميز مثلًا بين النقود وغيرها، ولا بين أيام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال له من الكلام، فليس بعاقل. أما من فهم الكلام وميز بين ما ينفعه وما يضره؛ فهو عاقل.

ومن هناك قالت طائفة: إن جميع العلوم ضرورية -فالعلم الضروري هو الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه- لأنه حتى العلم النظري الكسبي لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية لا تحتاج بذاتها إلى دليل أو برهان لكيلا يؤدي ذلك إلى الدور أو التسلسل.

فحتى القائس: إن لم يحصل له العلم الضروري ابتداء، وإلا فلا بد أن يبني نظره وقياسه على مقدمات ضرورية ثم حينئذ يحصل له العلم.

والمرجع في كونه علمًا ضروريًا هو أنه يعجز عن دفعه عن نفسه؛ إذ إن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك الدليل، كما يجد نفسه رائية عند الترائي للشمس أو الهلال أو غير ذلك، وكما يجد نفسه سامعة عند الاستماع للصوت.

فالعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات بما يجعله الله من الأسباب، إذ حصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فكما أن الجسم يحس بالطعام والشراب، فكذلك القلوب تحس بما ينزل إليها من العلوم، فتشعر به وتعرفه وتجده في نفسها بغير واسطة أحد.

ومن الناس من يقول: العقل هو علوم ضرورية. ومنهم من يقول: العقل هو العمل بموجب تلك العلوم. والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا.

فالعقل الذي يدخل صاحبه الجنة أفضل من العقل الذي لا يدخل صاحبه الجنة؛ كمن يعلم ولا يعمل، ولهذا قال أهل النار: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت