فهرس الكتاب
والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة فيها بذاتها الإقرار به سبحانه ومحبته والإخلاص له والإنابة إليه وإجلاله وتعظيمه؛ وأن الشخص الخارج عن هذه الفطرة لا يُحدث فيها ذلك ويجعله فيها بعد أن لم يكن؛ وإنما لا يعدو دوره أن يذكرها بما هو فيها أصلًا، وينبهها عليه، ويحركها له، ويفصله ويبينه لها، ويعرفها الأسباب المقوية، والأسباب المعارضة له والمانعة من كماله، فهو يذكر النفس ويحركها لما هو مركوز فيها بالقوة.
فالفطر مركوز فيها كل هذا الحق؛ فهي تعرفه وتشعر به مجملًا، ومفصلًا بعض التفصيل.
فجاءت الرسل تذكرها بذلك، وتنبهها عليه، وتفصله وتبينه لها، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة، المانعة من اقتضائها أثرها.
وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل؛ فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإباحة طيب وتحريم خبيث، وأمر بعدل ونهي عن ظلم. وهذا كله مركوز في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل.
وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات، فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق، ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل.
إذ ليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه عن العيوب والنقائص، فجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها.
وكذلك في الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في غير هذه الدار. وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا يعلم إلا بالرسل.
وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره، وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الربّ تعالى فلا تعلم إلا بالرسل.