فهرس الكتاب
الفطرة إذن قوة غريزية جبلية تتضمن معرفة الحق ومحبته؛ بل ومعرفة كل نافع ملائم ومحبته. وكذلك إنكار الباطل وبغضه، بل إنكار كل ضار منافي وبغضه.
وهذه المعرفة للحق ومحبته لا يشترط فيها وجود دليل أو شخص منفصل خارج الفطرة؛ وإن كان وجوده قد يذكّر ويحرك، كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف طعام أو شراب، أو خوطب المغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكره ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه، لا أنه يحدث أو ينشئ له الشهوة فيجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة.
فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة، لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له؛ وإن كان ذلك مذكرًا ومحركًا ومنبهًا، وقد يكون أحيانًا مزيلًا للعارض المانع.
وإن كانت المعرفة الفطرية للخالق والإنابة إليه متوقفة على أدلة من خارج الفطرة، لما كان هناك وجه إذن لمدح الفطرة، بينما النصوص الشرعية كلها تمدح الفطرة وتذم من يفسدها، مما يثبت أن الفطرة بذاتها مستلزمة للمعرفة والإيمان موجبة لهما إلا أن يعارضها معارض.
ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لوجود الفطرة شرطًا [1] بل ذكر ما يمنع موجبها، حيث قال:"فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". فحصول هذا التهويد والتنصير والتمجيس موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة. وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة.
(1) إذ لم يقل مثلًا:"فأبواه يسلمانه".