فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 80

الحنيفية إذن من موجبات الفطرة ومقتضياتها، وأصل أعمال الحنيفية المحبة والخضوع والإخلاص لله سبحانه وتعالى، فإذا كانت المحبة لله جبلية فطرية، فشرطها -وهو المعرفة- أيضًا جبلي فطري!

والمراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية، فلو خلي وعدم المعارض، لم يعدل عن ذلك إلى غيره.

تمامًا كما يولد على محبة ما لا يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه. وهذا من قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50] ، وقوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 2، 3] .

ولهذا شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في التأويل للرؤيا. ولما عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر، أخذ اللبن، فقيل له أخذت الفطرة؛ ولو أخذت الخمر لغوت أمتك. فمناسبة اللبن لبدن المولود وصلاحه عليه دون غيره، كمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها.

فهو سبحانه وتعالى خلق المخلوق مهتديًا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره.

ففي الفطرة قوة تميل بصاحبها إلى المعرفة والإيمان؛ معرفة الخالق والإقرار به ومحبته وإخلاص الدين له؛ كما أن في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة.

والله سبحانه وتعالى خلق عباده على هذه الفطرة: فما كان حقًا موجودًا صدقت به الفطرة؛ وما كان حقًا نافعًا عرفته الفطرة وأحبته واطمأنت إليه، وذلك هو المعروف. وما كان باطلًا معدومًا كذبت به الفطرة، فأبغضته وأنكرته وذلك هو المنكر. قال تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) . أي يأمرهم بما هو معروف حسنه وصلاحه ونفعه لأصحاب الفطر السليمة؛ وينهاهم عما تستنكره هذه الفطر لقبحه وفساده وضرره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت