الصفحة 3 من 28

الأمة سعيا لتحقيق العزة لله ولرسوله للمؤمنين كما فعل ألصحابه والتابعون ومن تبعهم بإحسان، أم يرى سعادة بعضهم لبعض أو تناكر بعضهم لبعض ولعن بعضهم بعضًا وتحقير بعضهم بعضًا، وتشنيع بعضهم على بعض وتأليب الناس بعضهم على بعض، فيمزقوا وحدتهم ويشتتوا شملهم ويفرقوا صفهم ويضعفوا الأمة الإسلامية ويذهبوا بعزتها ليس انتصارًا لله عز وجل الذي ابتلاهم بذلك فيما يظنون وإنما انتصارًا وتزكية للنفس أو للشيخ أو للمذهب أو للفرقة أو للطائفة أو للجماعة أو للمجموعة أو لتحصيل الحظوظ الدنيوية من كثرة الإتباع وحب الرئاسة والحصول على الأموال؟ فيدخلون بذلك من حيث يعلمون أو لا يعلمون في زمرة من ذمهم الله تعالى بقوله سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [1] ويبتعدون من حيث يعلمون أو لا يعلمون عن زمرة من مدحهم الله تعالى بقوله سبحانه: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [2] مع أنه قد جاءت النصوص المحكمة لتبين أن المصيب له أجران وأن المخطئ له أجر واحد بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) [3] .

ومن المعلوم أنه لا يجوز للمجتهد إذا اختلف مع مجتهد غيره في حكم قضية ليست محكمة وليس عليها دليل قاطع أن يجعل من نفسه مدعيًا بأنه على الصواب وأن غيره على الخطأ ويجعل من نفسه حكمًا فيجمع لنفسه بين صفة المدعي وصفة القاضي علي حد قول الشاعر (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم) مع أن الله تعالى قد جعل الحكم لنفسه فيما اختلف الناس فيه حيث يقول سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [4] ويقول عز وجل: {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [5] ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [6] .

أريد من هذه المقدمة أن أدعو الفقهاء وأتباعهم ومحبيهم إلى وضع الأمور في مواضعها فلا يضعوا أنفسهم موضع الله عز وجل فيما جعله له فينازعوه في اختصاصه وأن يجعلوا غايتهم وحدة الأمة وجمع علمها وتوحيد صفها، ويؤلفوا قلوب المسلمين بعضهم لبعض ويحافظوا على ذلك في كل وقت، وفي هذا الزمن نحن إلى ذلك أحوج حيث تكالبت علينا الأمم وعجز القائد، واستكان المستشار والناصح وضعف الصديق والمساند ولم يبق إلا

(1) - آل عمران: من الآية 7.

(2) - آل عمران: من الآية 7.

(3) - سن أبي داود:2/ 323، باب 2 في القاضي يخطئ ح 3574:.

(4) - الشورى: من الآية 10.

(5) - الحج:69.

(6) - الحج:17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت