الصفحة 13 من 46

إعادة تدوير تلك الفوائض، وتوسيطها في سد الفجوات التمويلية للتنمية. وكما أوضحنا من قبل، فإلي جانب الآثار المترتبة على تدهور شروط التبادل التجاري، فإن فشل كثير من المشروعات الممولة من تلك القروض وعجزها عن توليد موارد مالية افقدت الدول المدينة القدرة على مقابلة إلتزامات الديون، مما أدي الي تراكم متأخرات الديون المتعثرة والهالكة. ثم شهد العالم في مطلع الثمانينيات الدورة الثانية لصدمة أرتفاع أسعار النفط - للمرة الثانية خلال عقد واحد - التى أدت الي بروز أزمة إقتصادية وكساد في الأسواق الدولية نتيجة لتراجع معدلات الإنتاج في الدول الصناعية، تمخض عنها اعنف أزمة إقتصادية يشهدها العالم، ومن ثَم الدول الإسلامية غير البترولية، منذ نهاية تداعيات الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. وأدت تلك الصدمة الي تراجع حركة الاستثمارات في تلك الدول التي شهدت معدلات نمو متدنية، وسالبة في بعض الحالات، مما أدي الي تفاقم الأزمات الإقتصادية القائمة أصلًا، والي تعميق إختلال في التوازن الداخلي والخارجي للإقتصادات الكلية لكثير من الدول الإسلامية، والى عدم قدرتها على مقابلة التزامات خدمة ديونها الخارجية. وكان أكثر القطاعات المتأثرة بهذه التطورات الإقتصادية السالبة وتداعياتها مؤسسات القطاع العام والبنيات الأساسية الداعمة والمساندة للانتاج إلى جانب قطاع الصناعات التحويلية، التي كانت تعتمد على تدفقات القروض الرسمية طويلة الأجل، التي توقفت. وافضت تلك التطورات الى انهيار القدرات الإنتاجية بصفة عامة، وفي قطاعات الصناعة والزراعة بصفة خاصة. هذا الي جانب تراجع قدرة الدول الإسلامية، على تقديم الخدمات الإجتماعية الأساسية للمواطنين، مع الحفاظ على الأمن الداخلي والبيئة.

وانعكست إفرازات أزمة الديون و ذيولها - الي جانب الأعباء المالية المرتبطة بخدمة الديون- على التراجع، و ربما توقفت تدفقات القروض الخارجية الجديدة إلى الدول النامية. وقد افرز ذلك تحولًا خطيرًا في قدرة الدول الإسلامية على مواصلة عمليات التنمية الإقتصادية. وتكمن أهمية أزمة الديون وافرازاتها في أنها برزت والعالم في خضم تحولات إقتصادية وسياسية وإجتماعية هائلة. ثم ان التعايش مع تلك التحولات ومواكبتها كان يحتاج إلى موارد مالية طائلة، لتتمكن الدول من إعادة هيكلة الإقتصادات القطرية لإستيعاب التكنولوجيا الحديثة، والوفاء بمتطلبات العولمة واستحقاقات التعايش مع الواقع الذي تفرضه. ويستدعي ذلك بدوره تهيئة هياكل الإقتصاد الكلي ومؤسسات الإنتاج، وإعادة تكييف أوضاع أسواق المال والتجارة لمواكبة المنافسة الحادة التي تفرضها العولمة في ظل قواعد إتفاقيات منظمة التجارة العالمية. وبتوقف التدفقات المالية الخارجية واجهت الدول الإسلامية مصير التهميش والعزلة عن التحولات الجارية في العالم من حولها، لعجزها عن إحداث تحولات إقتصادية عن طريق التوسع في الإستثمار ورفع كفاءة أداء المؤسسات الإنتاجية والخدمية، وتعظيم مساهمتها في النشاط الإقتصادي الدولي خاصة في التجارة الدولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت