لقد عمقت هذه التحولات حالة العزلة و التهميش لكثير من الدول الإسلامية غير البترولية إقتصاديًا وسياسيًا، بعد أن أضيفت العزلة الجغرافية والسياسية إلى العزلة الإقتصادية وفجوة التكنولوجيا، التي تميزت بها العلاقات الدولية في أعقاب أزمة الديون، وتدهور شروط تبادل التجارة الدولية والتي أوضحناها من قبل.
تجدر الإشارة هنا الي أن هذه التحولات تمت في ذات الوقت الذي التزمت فيه عدة دول إسلامية بتنفيذ برامج إقتصادية قاسية فرضتها عليها الدول الغربية في إطار التعاون الإقتصادي وتقديم المساعدات المالية. وبتراجع مسار التعاون الإقتصادي وضمور المساعدات الإقتصادية المقدمة من الدول الغربية، لم تعد برامج الإصلاح التى تقوم بتنفيذها بعض الدول الإسلامية، قادرة على تحقيق أهدافها مما عرّض كثيرًا من الحكومات الإسلامية الفقيرة إلى حرج سياسي مع الدول والمؤسسات المالية المانحة.
لقد أوضحنا من قبل في الصفحات السابقة من هذه الورقة التطورات المذهلة التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، وأحدثت تحولات كبرى في الهياكل الاقتصادية والمالية وفي مجالات الإنتاج والتوزيع، اقتضتها متطلبات التعايش مع حركة العولمة الإقتصادية التي أثرت على النظم الإقتصادية وعلى نظم الحكم، حيث برزت في أوربا وأمريكا وأسيا تجمعات و تكتلات إقتصادية وسياسية. وتبنت دول العالم برامج وإستراتيجيات لمواكبة ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية والإتصال، والعمل على الإستفادة من الفرص التي تتيحها تلك التغيرات في الساحة الدولية، في نظم وأنماط الأنشطة الإقتصادية المختلفة، وفي وسائل ونماذج أدارتها. وبذلك تمكّن كثير من دول العالم من المواكبة مع تلك التطورات واستطاعت أن تتجاوز مخاطرها و التبعات السالبة للعولمة.
ولما كانت الدول الإسلامية، التي خرجت من قبضة الإستعمار مثقلة بمشاكلها الداخلية، مشغولة بأزماتها الإقتصادية والسياسية والأجتماعية عما يجري حولها، فلم تتمكن- باستثناء الدول القليلة التى وصلت مرحلة الأسواق الناشئة مثل ماليزيا وتركيا وإندونيسيا - من مواكبة تلك التحولات و التطورات. وتخلفت الأمة الإسلامية عن ركب التحولات وفشلت في الإستفادة من الفرص الإيجابية التي أتاحتها العولمة الإقتصادية. كما لم تتمكن تلك الدول من تجاوز مخاطر التهميش والعزلة في عالم لم يعد يعرف التقاعس عن الركب والتهميش. وفيما يلي نحاول إبراز العوامل الخارجية التي حالت دون تمكّن الدول الإسلامية من مواكبة تلك التحولات و التطورات، وتتجاوز بها مخاطر التهميش والتي عمقت تبعات العوامل التى افرزها خضوعها للاستعمار الإمبريالي خلال القرنين السابقين.
تميز عقد الثمانينيات من القرن الماضي بعدة أزمات اقتصادية أهمها الركود الاقتصادي الذي شهدته الدول الصناعية، ثم أزمة الديون الخارجية التي أحدثت تحولًا هامًا في حركة تدفقات رؤوس الأموال