اختلال العلاقة بين الطلب و العرض الكليين. و أصبحت الدول الغربية اكثر نهمًا على نهب موارد المستعمرات و أستنزافها لمقابلة متطلبات الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ومن أهم تداعيات الكساد الكبير وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ان اتضح جليًا إنه لا يمكن محاصرة تلك الأزمة في ظل النموذج الاقتصادي و السياسي اللبرالي السائد آنذاك. إذ أن مواجهة تلك الأزمة، خاصة مشكلة البطالة- التى أحدثتها الحرب العالمية كانت تستدعى تدخل الدولة والذي كان يعتبر آنذاك من المحرمات في ظل الفكر اللبرالي. اذ أتضح عندئذ فشل النموذج اللبرالي وتحولت إدارة الاقتصاد من النظام اللبرالي المرتكز على المفهوم الذي يحصر وظائف الدولة في الشئون التنظيمية و في إطار الحد الأدنى: الأمن والقضاء وتحسين العلاقات الخارجية. أما سائر الوظائف الأخرى فكانت - حسب المفهوم اللبرالي- من اختصاصات القطاع الخاص، وكان من المحظور تدخل الدولة في شئون الإدارة الاقتصادية والاجتماعية، وفق الفكر اللبرالي، وان قوى السوق وحدها هي التى تقرر ماذا؟ و كيف؟ و لمن ينتج؟. في ظل هذا النموذج الاقتصادي تُحدد الأطر الاقتصادية الكلية والجزئية وتُجرى في إطارها المعاملات في كل القطاعات الاقتصادية و الخدمية والإنتاجية.
ترمز نهاية الحرب العالمية الثانية تحولات سياسية هامة في الدول الإسلامية. فقد شهدت تلك الفترة حصول جل الدول النامية في أفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية استقلالها السياسي من الدول الغربية لتبدأ مرحلة جديدة من نماذج الحكم الذاتي.
وقد تأثرت الدول النامية، ومن بينها الدول الإسلامية، بالتحولات الكبرى التى شهدها العالم، اذ اندثر الفكر اللبرالي ليحل محله نموذج الرفاه، وتطورت في إطاره وظائف الدولة المبررة للتدخل من اجل تحقيق رفاهية المواطنين من خلال التدخل للتنظيم وتفعيل إدارة الاقتصاد. و يمثل هذا التدخل في قيام الدولة بتوفير السلع والخدمات وتوجيه الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الدخول وتصميم برامج الاستخدام الأمثل لموارد البلاد لتحقيق الأهداف الاجتماعية ودعم و تحفيز القطاعات ذات الأسبقية و تعضيدها، واتباع سياسيات ائتمانية موجهة لدعم القطاعات ذات الأسبقية.
وقد استند هذا التحول في الفكر الاقتصادي على نظرية العمالة الكاملة (Full Employment) التى أرساها الاقتصادي البريطاني (جون كينز) والذي اتهم عندئذ بالنزعة الاشتراكية. وكان من أهم المرتكزات الفكرية لهذه النظرية رفع مستوى الطلب الفعّال على العمل والعمالة. وهو ما يسمى بالمالية الوظيفية والتي تقابل المالية المحايدة التى سادت في الفكر التقليدي.
وقد نال هذا النهج الجديد في الفكر الاقتصادي هوىً لدى كثير من الدول الإسلامية، شأن الدول النامية الأخرى التى نالت استقلالها حديثًا. وصاحب هذا التطور في الفكر الاقتصادي في جانب وظائف الدولة التوسع في النفقات العامة، ساعد تلك الدول كثيرًا في تحقيق إنجازات إنمائية في الخدمات الاجتماعية.