وكانت النتائج السالبة لذلك الاتجاه عدم قدرة مؤسسات القطاع العام، التى أوكلت لها جل تلك المسئوليات في ظل التحول في نهج إدارة الاقتصاد، على المساهمة بفعالية في تحقيق تلك المهام مما أدى فيما بعد إلى مبررات بروز حركة التحرير، اذ إنها لم تعد قادرة على مواكبة التطورات في مجالات التكنولوجيا التى أصبحت المحرك الأساسي للإنتاج ومكمن القوة والقدرة على المنافسة الشرسة التى يطلبها التعايش مع العولمة. اذ أحدثت التكنولوجيا و تقانة المعلومات تطورًا مذهلًا وهامًا في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفى ربط تلك التطورات بمقدار جودة التقنيات المستخدمة للإنتاج والخدمات. واكب ذلك تراجع في مفهوم ربط الإنتاج والإنتاجية بعملية تكثيف عاملي رأس المال والعمالة كمصدرين أساسيين للإنتاج. وببروز حركة التحرير كمفهوم وواقع معاش تبدأ مرحلة تحول احدث متغيرات وارتباك خطير وهام في العلاقات التجارية وفى نشء فوارق بين الدول الصناعية والدول النامية، وتعاظمت الاتجاهات الاحتكارية مع ظهور المؤسسات العملاقة متعددة الجنسيات. وفى الوقت ذاته احدث تحرير أسواق المال ارتباكًا في الأسواق المالية العالمية وأشعل الأزمة المالية التى هزت أسواق المال الدولية قادت إلى انهيار مؤسسات مالية ومصارف كبرى خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، مما اضطرت الدول العشرة الكبرى للعمل على إعادة هيكلة لجنة بازل لمحاصرة الأزمة.
واتضح عندئذ ان القطاع الخاص يتمتع بقدرة افضل على الاستجابة لمتطلبات التطورات التكنولوجية وأكثر كفاءة للتفاعل الإيجابي معها. ومما دعم ذلك الاتجاه نحو القطاع الخاص فشل المؤسسات العامة في توليد موارد مالية كافية لمقابلة التزامات الدولة الخارجية نحو خدمة الديون التى أُستغلت في الاستثمارات التى أشرفت عليها تلك المؤسسات العامة. وقد أفضى هذا الوضع إلى بروز أزمة الديون الخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي ومازالت زيولها باقية إلى يومنا.
وتعتبر النماذج الإدارية التى اتبعتها الدول، في أطار تفعيل دور وظائف الدولة في تحقيق الرفاهية لشعوبها من سلبيات تلك الفترة. اذ اعتمدت تلك النماذج على الضوابط الإدارية الكابحة والمقيدة للنشاط الاقتصادي التى لم تعد مواكبة لمتطلبات التطورات التكنولوجية ومقتضيات المنافسة الشرسة التى استبطنتها العولمة الاقتصادية و التجارية. وسوف نرى فيما بعد سلبيات تلك النماذج في إدارة الاقتصاد على قدرة الدول الإسلامية في التخلص منها وبالتالي أضعاف قدرتها على مواكبة التطورات الاقتصادية وعلى مواجهة تداعيات العولمة.
ان التطورات السالبة لنماذج إدارة الاقتصادات قد أفضت إلى تراجع الدول عن ذلك النهج في إدارة الاقتصاد والبحث عن نماذج بديلة. وقد جاء هذا التحول في إطار الجهود التى بذلت لمعالجة الأزمات الاقتصادية التى بدأت تطل برأسها مع بروز أزمة النفط في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي. وقد ارتبط ذلك التحول ببرامج إصلاحية استهدفت النظم الهيكلية والاقتصادية وتحقيق استقرارها.