ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الاقتصادي والتي تعتبر من اخطر المراحل التى يمر بها الاقتصاد العالمي. كما شهدت هذه الفترة خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي تحولات سياسية أثرت سلبًا على الدول النامية، ومن بينها الإسلامية في أفريقيا واسيا والشرق الأوسط. اذ شهدت هذه الفترة التحرير الاقتصادي والذي تَبَنىَ إزالة القيود على التجارة الخارجية و تحرير الأسعار و دعم المنافسة لتحفيز القطاع الخاص و تشجيعه (وهنا تتأكد علاقة الأزمات الاقتصادية بالتحولات في الفكرين الاقتصادي والسياسي) ، حيث بدأت مشكلة تراجع كفاءة القطاع العام عن القيام بمهام ومتطلبات الرفاه منذ السبعينيات، إلا إنها تفاقمت وأصبحت أزمة اقتصادية في النصف الأول من الثمانينيات عند بروز أزمة الديون وتحول اهتمام الدول الأوربية من الدول النامية لصالح دول أوروبا الشرقية بعد اتفاقية هليسنكى وما تبع ذلك من التطورات المذهلة في العلاقات بين المعسكرين الشرقي والغربي و بداية تفكك (حلف وارسو) . ومن ثم بدأ تحول النموذج الاقتصادي المبني على الدور المتعاظم للدولة في إدارة الاقتصاد والمستند على التحكم و الكبح المالي، إلى نموذج جديد يستند على الانفتاح الاقتصادي والتحرير المالي والذي تلعب فيه قوى السوق، المعتمدة على المنافسة الحرة، دورًا أساسيًا في إطار اقتصادي كلى تميز بعدم الاستقرار. اذ لم يكن هذا النموذج الجديد، بدوره، بمنأى عن الأزمات، ذلك لان عملية التحرير المالي، خاصة و إن عمليات إزالة القيود على حركة حساب رأس المال وعلى أسعار الفائدة قد تمت قبل تهيئة المناخ المواتي لعمليات التحرير، بما في ذلك متطلبات توفير الأطر التشريعية و قواعد الرقابة المصرفية والضوابط الاحترازية الفاعلة، وإعادة هيكلة وتكييف الأوضاع الاقتصادية ايفاءًا بمتطلبات عمليات التحرير. إذ سرعان ما واجه عدد كبير من المصارف في الدول المتقدمة والناشئة والنامية صعوبات وأزمات، حتى بلغ عدد الدول التى واجهت أزمات مصرفية حوالي (133) دولة من جملة (181) دولة عضو في صندوق النقد الدولي وفي خضمها دول العالم الإسلامي. ثم تفاقمت مشكلة التحرير و تداعياتها مع اندفاع الأسواق نحو العولمة (كما سوف نسردها بالتفصيل في الصفحات القادمة) .
بالرغم من أن المجتمع الدولي - ممثلًا في مجموعة الدول العشرة الكبرى و صندوق النقد الدولي و بنك التسويات الدولية - بدأ في التحرك لمحاصرة الأزمات المالية ووضع المعايير والضوابط الاحترازية لتصويب أداء المؤسسات المالية و الأسواق المالية الدولية، و بالرغم من التحسن الكبير الذي طرأ على أداء كثير من الأسواق الدولية، إلا انه مازالت هنالك بعض الدول الإسلامية تعانى من تبعات التحرير المالي وتداعيات العولمة. و سوف نتناول التطورات و التداعيات التى شهدتها هذه الفترة في الصفحات القادمة إن شاء الله.
و الذي يهمنا هنا من هذا التحليل هو أن هذا التحول من سياسات الكبح المالي و سيطرة الدولة على إدارة الاقتصاد، إلى التحرير المالي و الانفتاح على الأسواق الخارجية و توسيع نطاق حركة القطاع